ابن بطوطة
121
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
يريد الانفراد بملك الهند ، وأنه قد عصى وخالف ، وبلغ هذا الخبر إلى قطب الدين فبادر بنفسه وقدم على غزنة ليلا ودخل على السلطان ولا علم عند الذين وشوا به إليه فلما كان بالغد قعد السلطان على سريره ، واقعد أيبك تحت السرير بحيث لا يظهر ، وجاء النّدماء والخواص الذين سعوا به فلما استقرّ بهم الجلوس ، وسألهم السلطان عن شأن أيبك ، فذكروا له : أنه عصى وخالف وقالوا : قد صحّ عندنا أنه ادّعى الملك لنفسه ، فضرب السلطان سريره برجله وصفق بيديه ، وقال : يا أيبك ! قال : لبّيك ، وخرج عليهم وسقط في أيديهم ، وفزعوا إلى تقبيل الأرض ، فقال لهم السلطان : قد غفرت لكم هذه الزّلّة وإياكم والعودة إلى الكلام في أيبك « 7 » ، وأمره أن يعود إلى بلاد الهند فعاد إليها وفتح مدينة دهلي وسواها ، واستقرّ بها الإسلام إلى هذا العهد وأقام قطب الدين بها إلى أن توفّى . ذكر السلطان شمس الدين للمش « 8 » وضبط اسمه بفتح اللام الأولى وسكون الثانية وكسر الميم وشين معجم ، وهو أول من ولي الملك بمدينة دهلي مستقلا به ، وكان قبل تملّكه مملوكا للأمير قطب الدين أيبك وصاحب عسكره ونائبا عنه فلما مات قطب الدين أيبك استبد بالملك ، وأخذ الناس بالبيعة فأتاه الفقهاء يقدمهم قاضي القضاة إذ ذاك وجيه الدين الكاساني ، فدخلوا عليه وقعدوا بين يديه ، وقعد القاضي إلى جانبه على العادة وفهم السلطان عنهم ما أرادوا أن يكلّموه به فرفع طرف البساط الذي هو قاعد عليه وأخرج لهم عقدا يتضمن عتقه ، فقرأه القاضي والفقهاء وبايعوه جميعا واستقل بالملك ، وكانت مدّته عشرين « 9 » سنة ، وكان عادلا صالحا فاضلا . ومن مآثره أنه اشتد في رد المظالم وإنصاف المظلومين وأمر أن يلبس كلّ مظلوم ثوبا مصبوغا ، وأهل الهند جميعا يلبسون البياض ، فكان متى قعد للناس أو ركب فرأى أحدا عليه ثوب مصبوغ نظر في قضيته وإنصافه ممن ظلمه ، ثم إنه أعيا في ذلك ، فقال : إنّ بعض الناس تجري عليهم المظالم باللّيل وأريد تعجيل إنصافهم ، فجعل على باب قصره أسدين
--> ( 7 ) هذه الأسطورة استأثر بها ابن بطوطة نقلا عما سمعه من العامة ولكن أيبك ، بعد غارة ناجحة في الكجرات عام 591 - 1195 استدعى من لدن السلطان غياث الدين محمد لياتي إلى غزنة حيث أقام هناك نحو العام . . . وقد تمت هذه الزيارة قبل فتح دهلي . ( 8 ) الرسم الحقيقي لهذا الاسم ربّما يكون هكذا إيليتميش ( ilitmish ) . عند وفاة أيبك بلاهور عام 607 - 1210 إثر سقوطه من فرسه ، قامت حاشيته بتسمية ولده أرام شاه كسلطان على البلاد ، في الوقت الذي كانت فيه أوساط دهلي تنتخب شمس الدين إيليتميش ( ilitmish ) المملوك السابق لأيبك - وقد انهزم أرام شاه سنة 608 - 1211 فاختفى من السّاحة . . . ( 9 ) كان ذلك من سنة 668 - 1211 إلى 29 أبريل 1236 - 20 شعبان 633 .